المتابعون

الأحد، 4 مايو 2014

الأسطى رضا و أولاده ..




بعد نهاية يوم طويل في الشغل - و بطويل قصدي العمل لمدة ١٢ ساعة متواصلة - و بعد كده اروح في ساعة نظراً لبعد المسافة بين البيت و الشغل دة غير زحمة القاهرة اللي مش بتخلص ابداً, ببقى مش طايقة نفسي و لا طايقة اي حد قدامي, و كالعادة بسرح بخيالي في الطريق و بفتكر اليوم اللي قررت فيه إني لازم أشتغل - و ياريتني ما قررت - و بشتكي لحالي من سوء ظروف الشغل و ضغطه و من الزحمة و من الناس اللي الواحد لازم يتعامل معاهم كل يوم و و و .. من الآخر ببقى على آخري .. و كالعادة برضه اسأل نفسي هو الواحد يعمل ايه عشان يرتاح و يعيش حياته و يفرح - و اللي قريب مني و عارفني هيبقى عارف أن الفرحة و السعادة مش معترف بيهم اوي في قاموسي - الخلاصة هي أني ببقى محبطة, يائسة و تايهة..
و في اللحظة دي, السواق قرر إنه " يخرّم " من جوة الترب الموازية للشارع الرئيسي اللي ماشيين فيه كمحاولة يائسة منه للهرب من الزحمة - و اللي فاكريني بهزر فأنا بتكلم بجد و قصدي مقابر طريق الأوتوستراد "حرفياً" ! ..
التفت على يميني و شمالي و لقيت المقابر في كل حتة, و اثناء قرايتي للفاتحة لفت نظري البيوت اللي موجودة جوة الترب ! بيوت من دور واحد عبارة عن أوضة قاعد قدامها أسرة من سبعة أفراد و محلات ميكانيكا سيارات و دكاكين حلاقة و بقالة كلهم لازقين في بعض .. و لفت نظري برضه العيال اللي بتجري حافية وراء أي عربية بتعدي من جوة الترب, و منهم طفل صغير ابتسملي لما بصيتله من الشباك .. استغربت جداً حال الطفل دة و سألت نفسي هو فعلاً فرحان لمجرد إنه بيجري وراء عربية ! و فكرت إنه ممكن أو من الأكيد أن عمره ما سمع أصلاً عن حاجة اسمها ديزني لاند أو كيدزينيا أو حتى دريم پارك بس برغم كدة بالنسباله الجري وراء العربيات هو لعبته المفضلة !! 


و ساعتها اتخيلت السيناريو الآتي في دماغي :


اتولد رضا الإبن الرابع بين اخواته التمانية لأب و أم على قد حالهم, و كلهم الحداشر كانوا ساكنين في نفس الأوضة جوة المقابر, و برغم إن لا رضا و لا حد من إخواته اتعلم بس هو كان طموح و كان نفسه يكبر و يبقى أسطى معروف.. بعد موت أبوه في صغره و احتياجه للعمل زي باقي اخواته, كان يروح من الفجر لورشة الأسطى فرج الميكانيكي و يشتغل طول اليوم في العربيات و يروّح مع آذان المغرب, لحد ما اتعلم الصنعة كويس و كبر فيها مع مرور السنين و الكل لاحظ أمانته في الشغل و دي الحاجة الوحيدة اللي أبوه علمهاله, و دة اللي خلى الأسطى فرج يعتمد عليه في كل حاجة خصوصاً بعد ما كبر في السن و مبقاش قادر يقف على رجله زي الأول ..و خلاه برضه يصمم انه يجوّزه لبنته وداد .. صحيح إن رضا عمره ما شافها قبل كدة لكنه مقدرش يرفض طلب الأسطى فرج اللي بيعتبره في مقام والده .. رضا اتجوز وداد و هو مش في دماغه الجواز اصلاً إلا إنه اكتشف في وداد حاجات حلوة كتير و شاف ازاي الست ممكن تساند جوزها و تشجعه حتى في أحلامه البسيطة .. و حبه ليها فضل يزيد كل يوم, و مع موت الأسطى فرج و ولادة أول طفل لرضا و وداد, قرروا أنهم يسموه فرج .. و مسك رضا الورشة و فضل يشتغل فيها ليل و نهار لحد ما الناس عرفته و بقى له زباين كتير و فضل يحوش هو و وداد لحد ما قدر يشتري الورشة من اخواتها و غير اليافطة و كتب عليها الأسطى رضا لميكانيكا السيارات و ساعتها وداد كانت جابت مولودهم التالت بعد فرج و سحر و سموه محمود و جابوا بعدها كمان دعاء و آخر العنقود جمال .. 

فرج كان طالع لأبوه من صغره كان يروح معاه الورشة و كان نفسه إسمه يتحط جنب إسم الأسطى رضا على اليافطة, و فعلاً بعد ما فرج كبر و ساعد أبوه إنه يكبر الورشة أكتر, قرر رضا إنه يغير اليافطة و خلاها الأسطى رضا و ولده فرج لميكانيكا السيارات..

سحر كانت طالعة جميلة زي أمها وداد, و كان ليها معزة خاصة عند رضا و كان دايماً يناديها ب"البكرية" و عشان كدة جوّزها لإبراهيم الصبي بتاعه في الورشة و صاحب أخوها فرج و قعدوا في أوضة في الترب برضه..

محمود دخل المدرسة و أخد الإبتدائية و وقف على كدة و عشان مكانش بيحب شغل الورشة فطلب من أبوه يأجر له دكان صغير عمله محل حلاقة لحد ما يقدر هو يدفع الإيجار بنفسه.. 

دعاء كانت دايما بتحلم انها تطلع برة الترب و كانت طموحة زي رضا عشان كدة كانت بتحب تروح المدرسة مع محمود أخوها و أخدت ابتدائية هيّ كمان و لأنها طبعاً بتعرف تقرأ و تكتب, فأشتغلت مدرسة في فصل محو أمية و حلمها اتحقق لما اتجوزت مدرس من هناك برضه و قعدوا في شقة صغيرة في أحد أحياء مصر القديمة و كانت أول حد من اخواتها يطلع برة الترب..

أما جمال فكان حالة خاصة, و لأنه آخر العنقود فالأسطى رضا كان مهتم به أوي و صمّم إنه يكمل تعليمه و كان أول واحد في العيلة ياخد ثانوية عامة و على الرغم إنه مجابش مجموع فيها يكفي إنه يدخل كلية, إلا إنه دخل معهد كمبيوتر و اتخرج و بقى فني كمبيوتر و الأسطى رضا عمله إحتفال يوم التخرج و علق أنوار على باب الورشة و كان ماشي يحكى للحارة كلها بكل فخر عن إبنه" الباشمهندس " جمال..

الأسطى رضا كبّر عياله الخمسة و رباهم - من وجهة نظره - أحسن تربية, صحيح معظمهم ماتعلمش و لا حتى خرج برة أرض الترب, و لكن يكفيه إنه كبرهم و جوزهم - من وجهة نظره برضه - أحسن جوازات و شاف أحفاده و فرح بيهم .. صحيح فضلوا طول عمرهم بسطاء و على قد حالهم, و عاشوا حياة بسيطة في مكان بعيداً كل البعد عن التمدن بس كانوا سعداء جداً و مترابطين و اتعلموا معنى الأمان و الإستقرار و الوفاء من رضا و وداد اللي فضلوا طول عمرهم بيحبوا بعض ..
و آه نسيت أقولكوا, عارفين الولد الصغير اللي ابتسملي ؟

 دة كان إبن سحر و إبراهيم اللي فضلوا عايشين في الترب, و عارفين كمان سموه إيه ؟
أكيد  لازم يبقى إسمه رضا على إسم جده :)


الأسطى رضا اتولد و مات في الترب, عمره ما طلع براها ابداً, في نظر البعض إن حياته هناك اتدفنت قبل ما تتولد, و لكن الحقيقة هي إنه عاش الحياة بكل ما فيها من معنى و كان إسم على مسمى و يمكن داق معنى الحب و السعادة اكتر من أي حد تاني ظروفه أحسن من رضا و فضلت وداد تزور قبره اللي جنب الأوضة بتاعتهم كل يوم لحد ما ماتت هي كمان و اتدفنت جنبه..
في ناس كتير أوي ظروفهم أحسن بكتير من الناس اللي شفتهم عايشين في الترب - و منهم أنا - و مع ذلك دايماً حاسين إن في حاجة ناقصة و بنشتكي على طول .. و في ناس كتير ظروفهم أقل مننا سواء اجتماعياً أو مادياً أو ثقافياً و لكن حالهم أحسن مننا بكتير, و على فكرة ! لو هتخيرهم بين حياتهم اللي عايشينها و بين أي حياة تانية, مش هيختاروا غير الحياة اللي هما عايشينها ..

 أصل  هو دة معنى " رضا " ..

و هنا فوقت من سرحاني و اكتشفت إني وصلت البيت أخيراً و على وشي ابتسامة رضا و لساني بيردد و يقول : " اللهم لك ألف حمد و ألف شكر على ما أنعمت به علينا " :)

" كل ما سبق هو من وحي خيالي التام ما عدا مروري بالترب فعلاً و رؤيتي للبيوت و الأسرة و الطفل المبتسم, و كل الأشخاص و الأسماء هم أبطال أفكاري الخاصة ليس إلا و لا يمتون للواقع بأي صلة"

تمت.

هناك تعليقان (2):

  1. رائعه
    بحس اننا بنسلق الحياه ومش بندوق لحظاتها
    زي ما واحد بياكل كده باستعجال او سرحان من غير ما يستطعم الاكل

    ملحوظه على جنب كده
    مش عارف ليه بحس ان الحياه وقفت سنه 1999 .. كل حاجه بعد سنه 2000 عندي طعمها مختلف مش عارف ليه ..

    ردحذف
  2. انا حاسة باللي بتقوله و دايماً بقول كان نفسي اتولد في زمن الستينات .. بحس ان زمن السرعة اللي عايشين فيه دة مش ملائمني و مشاشية بتخبّط فيه ! :/

    ردحذف