جلست أتأملُ منّ حولي قليلاً .. فتاةٌ جميلة تبدو عليها الملامح الآسيوية و ذات عيون بنية رقيقة, تتحدثُ في هاتفها مُبتسمة ..
أمرأةٌ عجوزٌ ذات عباءة سوداء تُتمّتم بكلماتٍ غير مفهومة .. شابٌ يستمع لأغانٍ وصلني ضجيجُها من سماعات أُذنه برغم المسافة بيننا, و آخرٌ بجواره يُمرر أصابعه بين كرات المِسبَحة مُردداً بعض كلمات الاستغفار ..
امرأةٌ تَجُر ورائها طفلًة صغيرة لا يتعدى عمرها ثلاث سنوات ترتدي فردتي حذائين مختلفتين .. و رجل يحمل حقيبةً جلدية أخرجَ منها حلوى و أعطاها للطفلة التي ابتسمت و سارعت بأكلها ..
و هنا رأيتهُ يقفُ أمامي ! ..
رجلٌ مُشوّه الوجه, تملأ العلامات وجهه و كأنما هي آثار لجروحٍ قديمة .. لمحته الطفلةُ أيضاً و هربت لتحتمي بأمها في صراخٍ مستمر لم ينقطع إلا بعد أن احتضنتها أمها ..
إلتفَتت إليه الأنظار .. رأيت نظراتهم جميعاً تحمل اللوم .. الإشمئزاز .. الخوف .. التعجب .. الفضول ! ..
تألمت له كثيراً .. لمستني معاناته و أكاد أُجزم أنّي شعرت بكل ما في قلبه من ألم و كأنّني مكانه ! .. انتابني الفضول لأعرف كيف أصابهُ ما حلَّ به, و كيف أضحى وجهَهُ مشوهاً إلى هذه الدرجة ! تملكني الألم أكثر عندما تخيلت أنهُ لربما وُلدَ هكذا ! .. أيّ أنّ مأساته لازمته طوال حياته ! يا تُرى كم عانى !
ألتقت أعيُننا و هالنّي ما رأيتُ ! .. دَققتُ النظر في وجهَهُ لأرى كل آثار الجروح التي شَقت طريقها في وجهه حتى لم تترُك مكاناً خالياً ! .. حاولت النظر بعيداً حتى لا تجرحهُ نظراتي أنا الأخرى .. عُدت لأنظر في تذكرتي و أنا أكافح كي أبعد بنظري عنه ..
انتبهت على صوتها الرقيق يناديه .. نظرت لأجدها الآسيوية الجميلة تُفسحَ له المكان مبتسمة .. كانت تنظر إليه في رقةٍ أدهشتني ! لم تَخَف و لم تشيح بوجهها بعيداً ! لم تجفل لرأيته و لم ترتبك أبداً ! ..
جلس بجانبها و سألها بخجل أن تقرأ له الموعد المطبوع على تذكرته, دَنَت منهُ بِثقة وأمسكت بتذكرته ثم أشارت بيدها على الباص الواقف على الجانب الآخر من المحطة و تمتمت في عذوبة أنه عليه أن يُسرع ليستقله .. ودعته مبتسمة و هي تُفسح له الطريق ..
نظرت إليها كثيراً و فكرت كم هي جميلة ! ..
و هنا انتبهت أنّه يقترب منّي ! و علمت أنّ السبيل الوحيد للوصول للجانب الآخر من المحطة هو عن طريق المرور بجانبي !
لا أعلم السبب و لكن تملكني الفزع و أنا أراهُ يدنو مني شيئاً فشيئاً .. بدأت أنفاسي تتسارع فتمَسكتُ بحقيبتي كأنني اختبىء ورائها !
آلمني خوفي منهُ أكثر من ألمي لهُ ! ..
شعرتُ بظلٍ يجتاح ما حولي فرفعتُ نظري لأجدهُ على بعد خطوة مني .. لم أقوَّ على إخفاء خوفي ! و هنا انتبهت على صوت نفير الباص القادم معلناً وصوله ..
أمسكت بحقيبتي و ركَضتُ صوب الباص و لم أنظُر خلفي أبدا ً ! ..



.jpg)

